وذلك علاوة على ندرة المياه الصالحة للشرب نتيجة قصف محطات التحلية، خاصة وأن غالبية الدول تعاني من "فقر مائي".
في هذا التوقيت أيضا جاءت التحذيرات من الأمم المتحدة، حيث حذر برنامج الأغذية العالمي التابع لها من أن الأعمال القتالية التي تجتاح الشرق الأوسط بدأت تؤثر بالفعل على الفئات الأكثر ضعفا.
ففي إيران، تؤدي الحرب إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية القائمة، ارتفاع تضخم أسعار الغذاء، وتزايد مشكلة انعدام الأمن الغذائي، وبسبب نقص العملة الصعبة، قد تواجه إيران صعوبات في استيراد السلع الغذائية الأساسية اللازمة.
ويرى مراقبون أن أزمة المياه التي تعاني منها إيران ودور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، والتي تعمل تحت غطاء المشاريع التنموية وإدارة الموارد المائية، هى بالأساس أداة لتعزيز النفوذ السياسي في المناطق التي تعاني من "فقر مائي"، حيث يتم ربط المساعدات والاستثمارات في البنية التحتية للمياه باستراتيجيات تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.
ما هو تأثير الحرب في الشرق الأوسط على أزمات الغذاء والمياه الصالحة للشرب؟
بداية يقول، المحلل السياسي العراقي، عبد القادر النايل، إن "تأثير
الحرب الأمريكية الإيرانية بدأت تظهر من وقت مبكر على منطقة الشرق الأوسط، سواء من خلال ملف الطاقة الذي سيؤثر بالقطع على الدول الأوربية بشكل كبير في الأسابيع القليلة القادمة".
وأضاف في حديثه لـ"
سبوتنيك" أن "ملف الغذاء والمياه أخذ بالفعل يؤثر على جميع الدول بعد إيقاف المطارات والملاحة البحرية، وبدأت بالفعل نفاد كميات كبيرة من المخزونات الاستراتيجية لدول الشرق الأوسط".
وتابع النايل: "ربما لم تتوقع العديد من الدول أن تؤثر الحرب بتلك السرعة على حياة الشعوب والدول، خاصة الدول الضعيفة في المنطقة، مما ينذر بالخطر على شعوب المنطقة، وغلاء الأسعار وارتفاع نسبة الفقر".
وأشار النايل إلى أن "ملف الغذاء والمياه والطاقة، تلك الملفات الرئيسية في حياة الشعوب، بدأت الإدارة الأمريكية تستفيد منه من خلال التحكم فيه وابتزاز الدول ووضع شروط جديدة لصالحها على دول المنطقة، لذلك تريد إدارة ترامب الاستمرار الفعلي بالحرب للوصول إلى تحقيق جميع أهدافها في المنطقة على حساب سيادة واقتصاد دول الشرق الأوسط".
ولفت النايل إلى أن "إدارة ترامب من مصلحتها الآن ارتفاع أسعار النفط بعد سيطرتها على نفط فنزويلا حتى تستخدم ذلك على الصين والاتحاد الأوروبي، وتضغط في ملفات تفاوضهم معها، لذا فإن استمرار الحرب يفضي إلى مزيد من الأزمات المتنوعة في منطقة الشرق الأوسط".
من جانبه، يقول القيادي في الحراك الجنوبي اليمني، رائد الجحافي، إن "الأزمة الغذائية والمائية في المنطقة بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية بدأت بالفعل، ومع استمرار الحرب يمكن أن تتحول من ضغوط اقتصادية خانقة إلى انهيار معيشي وأمني في عدد من الدول المعتمدة على الاستيراد والطاقة الرخيصة من الخليج".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن "
دول الخليج ومعها معظم دول المشرق وشمال إفريقيا تعتمد بدرجة عالية على استيراد القمح والزيوت والسكر عبر الممرات البحرية، وأي اضطراب في مضيق هرمز يرفع الأسعار ويقلص الكميات المتاحة مباشرة، حيث تراجع الشحن عبر المضيق بأكثر من 70% منذ اندلاع الحرب، نتيجة استهداف الناقلات وارتفاع كلفة التأمين البحري، ما يهدد وصول الحبوب والزيوت والأسمدة إلى أسواق المنطقة في الوقت المناسب".
وتابع الجحافي: "المنطقة العربية هي من أكبر مستوردي الحبوب عالميا، وفي بعض الدول تصل نسبة الاعتماد على الاستيراد إلى نصف أو أكثر من استهلاك الغذاء، ما يجعل أي صدمة في الأسعار أو الإمدادات تتحول بسرعة إلى أزمات معيشية واضطرابات سياسية".
وقال القيادي اليمني: "أما بالنسبة للأزمة المائية الراهنة تبدو من حيث أن أكثر من 80% من سكان الشرق الأوسط يعيشون أصلا تحت خط الندرة المائية الشديدة، مع توقع وصول النسبة تقريبا إلى 100% بحلول منتصف القرن، إذا استمرت الاتجاهات الحالية في المناخ والإدارة غير المستدامة للمياه، فنجد أن دول الخليج خاصة، تعتمد على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب، وهذه المحطات متمركزة على سواحل الخليج وفي مدى النيران المباشرة
للصواريخ والطائرات المسيرة، ما يجعلها نقاط ضعف استراتيجية في أي تصعيد".
وأكد الجحافي أن "عطل كبير أو متكرر لمحطات التحلية يعني نقصا حادا في مياه الشرب، وتقييد الأنشطة الزراعية والمائية، واضطرار الحكومات إلى فرض تقنين صارم وربما إجلاء جزئي للسكان عن بعض المدن الساحلية إذا طال الانقطاع، وإذا استمرت الحرب أو تحولت إلى استنزاف طويل الأمد، يمكن أن تؤديإلى تدهور كبير في الاقتصاد الإقليمي والدولي".
وحذر من أنه "مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والتأمين البحري سترتفع تكلفة استيراد المواد الغذائية والأسمدة وغيرها، ما يدفع الحكومات إما إلى تقليص الدعم أو تحمل عجز مالي متضخم، وفي الحالتين يزداد الاحتقان الاجتماعي، وبالنسبة للدول ذات الاقتصادات الهشة ستجد نفسها عاجزة عن تمويل فاتورة غذاء متضخمة، ما يفتح باب نقص السلع الأساسية، في الوقت الراهن هناك تأثير كبير على المنطقة بشكل عام، فحتى دول الخليج التي تعتمد على 90% من الاستيراد الغذائي عبر الخليج العربي، فإن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ازدحام في الموانئ البديلة مثل ميناء الفجيرة وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة تصل إلى ضعف في بعض السلع الأساسية".
وفيما يتعلق بالتأثير على إيران، يقول الجحافي إن "إيران تعاني بالفعل من تضخم غذائي هائل بسبب
العقوبات الأمريكية الجديدة ونقص العملة الصعبة، مع تضاعف أسعار المواد الغذائية، والتي أصبحت مخازن الحبوب فارغة حسب تقارير إيرانية وأممية مما يضغط على السكان بالذات الفقراء وذوي الدخل المحدود، وبما أن الحرب أضفت ضربات على منشآت النفط، مما يقلل الإيرادات ويصعب استيراد الغذاء، مع تقديرات بأن الوضع قد يتحول إلى أزمة جوع واسعة إذا طال الصراع".
وأوضح الجحافي، أن الوكالة الأمريكية USAID لا تقدم مساعدات مباشرة لإيران بسبب الصراع بين الدولتين، لكن الولايات المتحدة تستخدم الضغط الغذائي كجزء من استراتيجية الضغط الأقصى لإجبار طهران على التفاوض النووي، لذا نرى أن سيناريوهات التفاقم في ظل استمرار الحرب لأسابيع أو أشهر سيؤدي إلى تصعيد خطير متفاوت، فالاستغلال الاستراتيجي الأمريكي يظهر من تركيز USAID مساعداتها على المناطق الفقيرة المائية والغذائية مثل اليمن وغزة ولبنان، لكن مع وجود مخاوف أمريكية من ذهاب الدعم للحوثيين أو غيرهم، مما يخدم أهداف الاستقرار ومواجهة النفوذ الإيراني".
واستطرد: "في سياق الحرب، نرى هذه المساعدات كوسيلة لتعزيز الولاءات السياسية وإضعاف الخصوم غير المباشرين، مع استخدام الضغط الاقتصادي- الغذائي كأداة في التفاوض مع إيران، الولايات المتحدة تقدم تأمينا بحريا للسفن، لكن هذا يركز على حماية الحلفاء، مما يعمق الفجوة في الإمدادات للدول غير الموالية".
وأشار إلى أن الدول الأكثر تأثرا بارتفاع أسعار الغذاء، هي تلك ذات الاعتماد العالي على الاستيراد والاقتصادات الهشة، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، مع تفاقم الوضع الحالي بسبب
إغلاق مضيق هرمز".
ونوه الجحافي إلى أن "ضمن السيناريوهات المحتملة، أنه في حال استمرار الحرب، واستمر توقيف مضيق هرمز أو توسعت الهجمات لتشمل موانئ ومخازن، قد تحدث انقطاعات فعلية في الإمدادات لأسابيع أو أشهر لبعض الدول الصغيرة أو المحاصرة، مع ظهور موجات جوع واسعة وسوء تغذية كبير، كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا أو تعطل وصولها من الخليج سيضرب إنتاج الغذاء في مناطق أخرى بالعالم، ما يرفع الأسعار الدولية ويقلل قدرة الدول الفقيرة على الشراء حتى لو ظلت الممرات البحرية مفتوحة".
وقال القيادي اليمني: "في حال استمر ضرب محطات تحلية المياه أو منشآت كهرباء مغذية لها، يمكن أن يخفض إنتاج المياه في بعض دول الخليج، ويدفع إلى تقنين حاد وربما تعليق أنشطة صناعية وزراعية كثيفة الاستهلاك للمياه، والسيناريو الأقصى، تدمير أو خروج عدة محطات رئيسية عن الخدمة في وقت واحد قد يجعل بعض المدن غير قابلة للاستمرار على المدى المتوسط من دون جسر جوي‑بحري ضخم للمياه العذبة، وهو سيناريو مكلف للغاية وغير مستدام سياسيا واقتصاديا".
واختتم بالقول: "هذه العوامل ستقود إلى تداعيات سياسية واجتماعية محتملة كون تاريخ المنطقة يبين أن ارتفاع أسعار الغذاء مع تضاعف البطالة وغيرها كانت عنصرا مهماً في اندلاع اضطرابات وثورات سابقة، ومع استمرار الحرب دون شك ستعود موجات الاحتجاجات والتمرد وتنتشر الفوضى، وقد لا يسلم منها نظام من أنظمة الحكم طالما يوجد هناك من يستغل مثل هذه الأوضاع المضطربة ويسعى إلى إسقاط أنظمة الحكم تلك".
وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل، في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، سلسلة من الغارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، ما خلف أضرارا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على
منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، ووعدت بـ"رد غير مسبوق".
وشملت التداعيات كل من العراق (أربيل)، إسرائيل، الأردن، الكويت، البحرين،
قطر، الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية.
وجاءت الضربات على إيران رغم المفاوضات التي رعتها عُمان بين واشنطن وطهران في جنيف، نهاية فبراير الماضي، بشأن الملف النووي الإيراني.