موتٌ صامت في بيروت

ترك برس

موتٌ صامت في بيروت

  • منذ 8 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
طه كلينتش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
كانت دمشق، عبر التاريخ، مدينةً ذات ثقافة كوزموبوليتية وتجارية. وخلال القرون العثمانية الطويلة، حافظت على هذه الخاصية، بل طوّرتها وعمّقتها. وحتى في الفترات التي كان فيها الإمبراطورية تتجه نحو التفكك، استمر صعود العائلات البارزة والوجهاء داخل المجتمع الدمشقي. ومن بين تلك العائلات، عائلة القوّتلي التي هاجرت من بغداد إلى دمشق في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
كانت التجارة تشكّل المصدر الرئيسي لثروة عائلة قوّتلي، وقد أسست شبكات تجارية قوية جداً على طرق بغداد–دمشق ودمشق–الجزيرة العربية. أما حي الشاغور الذي استقروا فيه في دمشق، فكان يقع مباشرة إلى الجنوب من الأسوار التاريخية، وكان منطقة يسكنها كبار وجهاء المدينة. وبالتالي، فإن الثروة التي حصلوا عليها فتحت لهم في الوقت نفسه أبواب الأوساط السياسية والثقافية والفنية. وبعد عام 1860، أنشأ أفراد عائلة القوّتلي مزارع في غوطة دمشق، التي تُعد من أجمل مناطق المدينة، وبدأوا خلال عهد السلطان عبد الحميد الثاني يتولون مناصب مهمة داخل البيروقراطية الدمشقية. فتولى أحمد القوّتلي إدارة البنك الزراعي، وعُيّن مراد القوّتلي رئيساً لمجلس المدينة، فيما تولى حسن القوّتلي رئاسة غرفة التجارة والزراعة في دمشق. أما ابن العائلة الذي وُلد في 21 أكتوبر 1891، شكري القوّتلي، فسيصبح أحد أهم الشخصيات في تاريخ سوريا الحديث:
بفضل إمكانات عائلته، تلقى شكري القوّتلي تعليماً أساسياً متميزاً، ثم أُرسل عام 1908 إلى إسطنبول لمتابعة دراسته العليا. وخلال خمس سنوات قضاها هناك، أتقن اللغة التركية بشكل ممتاز، وعندما تخرج من المدرسة الملكية (مكتب المِلكية) عام 1913، كانت العاصفة التي ستطيح بالإمبراطورية توشك على الانفجار. عاد القوّتلي إلى دمشق وبدأ عمله في البيروقراطية العثمانية، إلا أن التوازنات في العالم العربي بدأت تهتز في العام التالي، ليجد الشاب شكري نفسه وسط أمواج القومية العربية. انضم القوّتلي إلى جمعية الفتاة، التي كانت تمثل امتداداً لحركة الاتحاد والترقي في الساحة العربية، ولم يكن في موقف عدائي سياسي تجاه الدولة العثمانية؛ لكنه بعد الحرب اصطف إلى جانب القوميين في مواجهة الانتداب الفرنسي.
تعرض شكري القوّتلي للملاحقة المستمرة من قبل الفرنسيين، بل صودرت ممتلكاته عام 1920 ونُفي خارج البلاد. عاد إلى سوريا عام 1936 وتولى وزارة المالية. وقد ساعد موقفه الشخصي وقوة عائلته في وصوله إلى منصب رئاسة الجمهورية السورية عام 1943، وخلال عهده حصلت البلاد على استقلالها من فرنسا (17 أبريل 1946). إلا أنه في عام 1949 أُطيح به عبر انقلاب عسكري قاده الجنرال السوري حسني الزعيم بدعم من إسرائيل، ليُنفى مجدداً. عاد القوّتلي إلى بلاده عام 1955 وتولى رئاسة الجمهورية مرة أخرى، لكنه تخلى عن منصبه عام 1958 تحت ضغط وإقناع جمال عبد الناصر، من أجل قيام “الجمهورية العربية المتحدة”. وفي عام 1961، أدى انقلاب عسكري جديد في سوريا إلى إنهاء الوحدة مع مصر، بينما فتح انقلاب حزب البعث عام 1963 الباب أمام أحد أكثر الفترات ظلاماً في تاريخ سوريا الحديث. غادر شكري القوّتلي إلى المنفى مرة أخرى واستقر في بيروت. وكان هذا منفاه الأخير…
في عام 1967، وبعد الهزيمة الثقيلة التي مُني بها العالم العربي أمام إسرائيل في حرب الأيام الستة، لم يكن من السهل تجاوز صدمة تلك الهزيمة. وكان شكري القوّتلي من أكثر من شعروا بثقل تلك المرحلة. وبينما كان يتابع التطورات من منزله في بيروت، تلقى خبر احتلال الجولان، فدخل في حالة اكتئاب شديد استمرت أياماً، قبل أن يتوفى في 30 يونيو إثر نوبة قلبية. وقد جرى تجاوز محاولات نظام البعث لمنع تنفيذ وصيته بدفنه في دمشق، بفضل ضغوط دبلوماسية من ملك السعودية فيصل. ونُقل جثمان شكري القوّتلي في 1 يوليو، وبعد صلاة جنازة حاشدة أُقيمت في الجامع الأموي، إلى مثواه الأخير في مقبرة باب الصغير التاريخية الواقعة في الحي الذي وُلد وعاش فيه.
وباعتباره أحد النجوم النادرة التي سطعت قبل ظلام البعث، لا يزال السوريون يذكرون شكري القوّتلي بالرحمة في ذاكرتهم الجمعية حتى اليوم. والسبب في استحضاري له الآن هو خبر ورد يوم الأربعاء الماضي من بيروت: فقد توفيت آخر أولاده الأحياء، السيدة هناء القوّتلي. وقد دُفنت جنازة هناء القوّتلي في سوريا التي تحررت من ظلام البعث، في دمشق، في الحي الذي قضت فيه طفولتها، إلى جانب والدها.
إن أبناء سوريا يعودون إلى وطنهم واحداً تلو الآخر. بعضهم سيراً على الأقدام، وبعضهم داخل توابيت. لكن في وطنهم الذي استعاد حريته، تبدو قلوبهم جميعاً الآن مطمئنة.

عن الكاتب

طه كلينتش

كاتب تركي




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>