على طهران أن تغرز الإبرة في نفسها

ترك برس

على طهران أن تغرز الإبرة في نفسها

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
هلال كابلان - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
لا بد أن هناك من يتذكر تلك الصورة التي التُقطت في العاصمة طهران يوم 17 مايو/أيار 2010. كان أردوغان ولولا وأحمدي نجاد يشبكون أذرعهم ويرفعونها في الهواء. فقد توصلت تركيا والبرازيل إلى مخرج قائم على مبادلة الوقود في الملف النووي الإيراني. وبعد ثلاثة أسابيع، عندما طُرح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929 بشأن فرض عقوبات على إيران للتصويت في 9 يونيو/حزيران، وقفت تركيا إلى جانب إيران وصوّتت بـ«لا».
في العواصم الغربية وبلادنا، تصدرت عناوين «الانحراف عن المحور» الصفحات، وجرى التشكيك في ولاء أنقرة. وقبل عام من ذلك، كان أردوغان قد وُضع هدفًا للانتقاد ووُصف بـ«محامي إيران» لأنه دافع عن حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية. وكان سيُجعل يدفع ثمن هذا الموقف.
ثم جاءت سنوات الحظر. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يغلق أبوابه أمام إيران، واصلت تركيا تجارتها معها، واشترت منها الغاز الطبيعي، وأبقت قناة الدبلوماسية مفتوحة. وقد وُضعت فاتورة إبقاء ذلك الباب مفتوحًا أمام تركيا لسنوات في قاعة محكمة بنيويورك. ولم تُطوَ تلك الصفحة إلا هذا الصيف، ولم يكن ذلك في ظل ظروف سهلة.
ظل بنك «ملت» الإيراني يعمل في إسطنبول لمدة 44 عامًا. وكانت شركة «ماهان إير» مدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية منذ عام 2011، بحجة تقديمها دعمًا لوجستيًا لقوة القدس. ومع ذلك، واصلت الطيران على خط طهران-إسطنبول لمدة 15 عامًا كاملة.
الآن أُغلق كلاهما. فقد ألغى قرار هيئة التنظيم والرقابة المصرفية الصادر في 18 سبتمبر/أيلول ترخيص بنك ملت لمزاولة أنشطته. كما أُجريت الرحلة الأخيرة لشركة ماهان إير أمس. وسرعان ما بدأ الجوقة المعروفة بترديد: «أمريكا طلبت، وتركيا خضعت». لكن أمريكا كانت تطلب ذلك منذ 15 عامًا. والسؤال لا ينبغي أن يكون ما الذي أرادته واشنطن، بل لماذا قالت أنقرة «لا» طوال 15 عامًا، ولماذا لم تعد تقولها اليوم؟ ابحثوا عن إجابة هذا السؤال في طهران، لا في واشنطن.
في 9 مارس/آذار من هذا العام، أُسقط صاروخ باليستي إيراني انتهك المجال الجوي التركي في أجواء غازي عنتاب. وبعد أربعة أيام، أُسقط صاروخ آخر. لقد عبرت صواريخ الجار الذي وقفت تركيا إلى جانبه في الملف النووي، وأبقت أبوابها مفتوحة أمامه خلال الحظر، سماء تركيا. ينبغي أن ننهي عتابنا عند هذه النقطة وننتقل إلى المطالبة بالمحاسبة. والحقيقة أن هذه المحاسبة تعود إلى زمن بعيد جدًا. فعندما دخلت الولايات المتحدة أفغانستان عام 2001، كانت إيران تقف جنبًا إلى جنب مع واشنطن خلال عملية بون. وقدمت للولايات المتحدة كل ما استطاعت من مساعدة ضد طالبان. وفي عام 2003، عندما دخلت دبابات «الشيطان الأكبر» بغداد، عادت «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» و«لواء بدر»، اللذان كانت طهران ترعاهما، إلى العراق خلف تلك الدبابات.
ولسنا نحن من يقول ذلك أيضًا. فقد اعترف نائب الرئيس الإيراني محمد علي أبطحي بذلك صراحة في أبو ظبي في يناير/كانون الثاني 2004، قائلًا إن كابل وبغداد ما كانتا لتسقطا بهذه السهولة لولا المساعدة الإيرانية. لقد كانت اللحظة التأسيسية لـ«محور المقاومة» شراكةً مع احتلال.
ثم جاءت سوريا. فالظلم الذي بدأ عام 2011 بتعذيب الأطفال الذين كتبوا عبارات على جدار في درعا، تحول إلى آلة إبادة جماعية، بفعل قوات القدس وحزب الله وميليشيات فاطميون الأفغانية وزينبيون الباكستانية التي دفعتها إيران إلى الميدان. وفي عام 2013، سقطت القصير. وفي مضايا، كان الناس يغْلون العشب ويأكلونه. وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، دُمّرت حلب الشرقية بالكامل. ودُفن الناس بعد سحقهم كأنهم أوراق في حفر مثل صيدنايا. وبلغت حصيلة الحرب أكثر من 600 ألف قتيل وملايين النازحين.
إن الفاعلين الرئيسيين في هذه المأساة هما نظام الأسد وطهران التي أبقته صامدًا لمدة 13 عامًا. ولم يكن الظلم الذي وقع في سوريا أقل مما حدث في فلسطين. والفرق الوحيد بينهما هو أن الجاني كان يطلق على نفسه اسم «المقاومة»!
وقفت تركيا في المكان الصحيح في هذا المشهد. فقد فتحت أبوابها واحتضنت أكثر من 4 ملايين سوري. وقد فعل الرئيس أردوغان ذلك وهو يعلم أن الأمر ستكون له كلفة باهظة على الصعيد الداخلي. ووقف إلى جانب الثوار الذين نهضوا في وجه الظالم. وعندما انهار نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أصدر التاريخ حكمه. فقد خسرت طهران استثمارها الذي دام 13 عامًا، بينما أنقذت أنقرة ضميرها.
وفي اليمن، كان السيناريو نفسه. دخل الحوثيون صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014. وحاصروا تعز لسنوات، وزجّوا بالأطفال في الجبهات، وحوّلوا المساعدات الإنسانية إلى سلاح. والمفارقة كانت أن السعودية والإمارات العربية المتحدة غضّتا الطرف عن تقدم الحوثيين ودعمتاه في تلك الأيام، بهدف إضعاف حزب الإصلاح المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين. أما تركيا، فقد سمّت التوسعية الإيرانية باسمها مبكرًا في عام 2015، وذهبت إلى طهران، ولم تغلق باب الحوار معها. فقد انتقدت السعودية علنًا، كما انتقدت إيران أيضًا... وأرسلت الهلال الأحمر التركي وإدارة الكوارث والطوارئ التركية «آفاد» إلى الشعب اليمني. وأصبحت واحدة من الجهات الفاعلة النادرة التي استطاعت الجمع بين المبدأ والحفاظ على التواصل.
غدًا، سنحاول مواصلة الحديث عن قضية «الحوثيين» من حيث توقفنا.
 

عن الكاتب

هلال قابلان

كاتبة في صحيفة يني شفق




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>