ترك برس
في تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يتساءل الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، عما إذا كان توثيق جرائم الحرب والدمار والخسائر وانتهاكات القانون بعد انتهاء النزاعات كافياً بحد ذاته لإحقاق العدالة. ويرى الكاتب أن تسجيل هذه الوقائع أصبح عملية لا تقل أهمية عن الحرب نفسها، إذ تبدأ بعد توقف القتال معركة أخرى تتمثل في التعريف القانوني لما حدث وضمان محاسبة المسؤولين. غير أنه يؤكد وجود مشكلة جوهرية: آلاف الصفحات من الوثائق وتقارير الخبراء وتقييمات الأضرار الشاملة لا تنتج بذاتها نتائج قانونية. فالمسألة الحقيقية تكمن في تحديد المحكمة التي يمكن عرض هذه الأدلة أمامها، وفي كيفية إنفاذ أي قرار يصدر عنها.
ويقدم كاندمير مثالين بارزين لتوضيح هذه الإشكالية: حادثة الفرقاطة الإيرانية «دينا» من جهة، والجهود القانونية التي تبذلها أذربيجان بعد كاراباخ من جهة أخرى.
ويبدأ بالملف الإيراني، مشيراً إلى أن السلطات الإيرانية أطلقت بعد غرق الفرقاطة «دينا» في 4 آذار/مارس 2026 على يد الغواصة الأمريكية «يو إس إس شارلوت» حملة توثيق شاملة. وتزعم إيران أن السفينة كانت تؤدي مهمة تدريبية غير مسلحة، وأنها أبلغت الجانب الأمريكي بذلك، وأنها أصيبت دون أي إنذار مسبق. ووفقاً لما نقله الكاتب عن رئيس مركز السلطات القضائية الإيرانية حسن عبدليانبور، شارك نحو 19 ألف خبير في فحص أحداث فترة الصراع والأضرار الناجمة عنها، فأنتجوا تقارير فنية وقانونية تجاوزت 130 ألف صفحة. ويتساءل كاندمير: هل يمكن لهذا الملف الضخم أن يحمل الولايات المتحدة المسؤولية أمام القانون الدولي؟ ويجيب بأن الإطار القانوني القائم يجعل الأمر بالغ الصعوبة. ففي قانون الحرب البحرية تُعد السفن الحربية أهدافاً عسكرية في ظروف النزاع المسلح الدولي، ولا يلغي وضعها كسفينة تدريبية أو غير مسلحة هذه الصفة وحدها. كما لا توجد قاعدة عامة تلزم بإنذار مسبق قبل مهاجمة سفينة حربية. والأهم من ذلك، بحسب الكاتب، مشكلة الاختصاص القضائي: فليس لدى إيران آلية قضائية دولية مباشرة يمكنها أن تجلب الولايات المتحدة أمامها، خاصة مع رفض واشنطن اختصاص المحاكم ذات الصلة وحق الفيتو في مجلس الأمن. وهكذا يتحول الملف من وثيقة قانونية إلى أداة سياسية ودبلوماسية في المقام الأول.
وينتقل التحليل إلى الحالة الأذربيجانية بعد كاراباخ، حيث يرى كاندمير أن بنية قانونية مختلفة قد ظهرت. فقد أنشأت باكو سجلات شاملة حول جرائم الحرب والهجمات على المستوطنات المدنية والألغام وتدمير الممتلكات الثقافية واستغلال الموارد الطبيعية، سواء بعد حرب 2020 أو عملية 2023. وبدأت هذه السجلات تُستخدم في إجراءات أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وآليات التحكيم الدولية. ويكمن الفرق الأساسي، كما يوضح الكاتب، في أن أذربيجان تمتلك مسارات قضائية متعددة بفضل الاتفاقيات الدولية التي تربطها بأرمينيا. ويشير إلى قرارات محكمة العدل الدولية عام 2024 التي قبلت النظر في النزاع في إطار اتفاقية القضاء على التمييز العنصري ونقلت الدعاوى إلى مرحلة الموضوع. كما تستفيد أذربيجان من الدعاوى أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وعمليات التحكيم الدولية. غير أن كاندمير ينبه إلى حد مهم: التقارير التي تعدها مؤسسات الدولة نفسها لا تُعتبر تلقائياً أدلة قاطعة أمام المحاكم الدولية.
ويطرح الكاتب سؤالاً محورياً حول طبيعة الدليل: هل الكمية أهم أم النوعية؟ ويستشهد بقرار محكمة العدل الدولية في قضية الكونغو ضد أوغندا، حيث طالبت الكونغو بتعويض يتجاوز 11 مليار دولار، لكن المحكمة قررت أن الوثائق والإفادات التي يعدها أحد الطرفين لدعم دعواه تتمتع بقوة إثبات محدودة. وتعاملت المحكمة بحذر مع الادعاءات غير المؤكدة من جهات مستقلة، وانتهت إلى الحكم بتعويض قدره 325 مليون دولار فقط. ويستخلص كاندمير من ذلك أن سمك الملف في القانون الدولي لا يحدد وحده قوة الدليل. فالصور الفضائية وتقارير الخبراء المستقلين وسجلات المنظمات الدولية والفحوصات الميدانية وتطابق المصادر المستقلة أكثر أهمية. لكن فوق كل ذلك، يبقى السؤال الأكبر: من سينفذ القرار؟
ويبرز الكاتب المسافة الفاصلة بين القانون والقوة كأحد أكبر مآزق النظام القانوني الدولي. فالمحكمة قد تصدر حكماً، لكن تنفيذه قد يتطلب قوة سياسية واقتصادية. وحق الفيتو الدائم لأعضاء مجلس الأمن يزيد المشكلة وضوحاً. ويستذكر المثال الكلاسيكي المتمثل في عدم تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية لعام 1986 ضد الولايات المتحدة في قضية نيكاراغوا. ويضيف أن الأمثلة التاريخية تؤكد الحقيقة ذاتها: نجاح المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ارتبط بالظروف السياسية والعسكرية التي أعقبت الحرب، ولجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة بعد غزو العراق للكويت استندت إلى القوة الإلزامية المباشرة لمجلس الأمن، بينما واجهت عملية التعويض بين الكونغو وأوغندا مشكلات تنفيذية حتى بعد صدور القرار بفترة طويلة. ويخلص إلى أن توثيق جرائم الحرب مهم، لكن لا توجد علاقة مباشرة بين التوثيق وتحقيق العدالة.
ويسلط كاندمير الضوء على بُعد آخر في مثال كاراباخ: فالوثائق المجمعة لا تؤدي دور الأدلة القانونية في الدعاوى المستقبلية فحسب، بل تعمل أيضاً كأدوات تمنح قوة تفاوضية في المفاوضات الدبلوماسية. ويشير إلى أن مسألة سحب الدعاوى المتبادلة أمام المحاكم الدولية قد طُرحت في محادثات السلام بين أذربيجان وأرمينيا، مما يؤكد هذا الدور. لذلك يحذر الكاتب من البحث عن معركة القانون بعد الحرب في قاعات المحاكم وحدها. فأحياناً لا يكون الهدف الأساسي من الملف هو المحكمة، بل تغيير ميزان القوى على طاولة التفاوض. وفي النهاية، يرى أن توثيق جرائم الحرب يمكن أن يخدم ثلاثة أهداف مختلفة: معاقبة المسؤولين، والحصول على تعويضات مادية، واكتساب قوة مساومة سياسية. أما أي هذه الأهداف سيتحقق، فيحدده ليس عدد الوثائق المجمعة بقدر ما تحدده الاختصاص القضائي ونوعية الأدلة والقوة السياسية القادرة على فرض تنفيذ القرارات.