تحذيرات من اتساع الخلاف بين أنقرة وباكو ودعوات لتحصين وحدة العالم التركي

ترك برس

تحذيرات من اتساع الخلاف بين أنقرة وباكو ودعوات لتحصين وحدة العالم التركي

  • منذ 12 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
تثير التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى تساؤلات بشأن مستقبل التحالفات الإقليمية، وانعكاساتها على العلاقات بين تركيا وأذربيجان، اللتين ترتبطان بعلاقات استراتيجية وثيقة ومصالح مشتركة في مجالات الأمن والطاقة والنقل والتعاون السياسي. 
وفي ظل تداخل هذه الملفات مع التنافس الإقليمي والدولي، تبرز أهمية الحفاظ على قنوات الحوار بين البلدين، وتجنب انتقال الخلافات إلى مسار يؤثر في مشاريع التعاون بين أنقرة ودول آسيا الوسطى.
وفي هذا السياق، حذّر الكاتب التركي إبراهيم قره غول، في مقال نشرته صحيفة «يني شفق» التركية، من أن التوتر بين تركيا وأذربيجان قد يتجاوز حدود سوء الفهم المتبادل، ليؤثر في العلاقات بين الأناضول وآسيا الوسطى، داعيًا إلى احتواء الخلاف سريعًا، ومعتبرًا أن القمة المرتقبة لمنظمة الدول التركية في أنقرة تمثل فرصة مهمة لمعالجة الأزمة وإعادة تثبيت مسار التعاون.
وطرح قره غول قراءة سياسية تربط التوتر بين أنقرة وباكو بالتنافس الجيوسياسي الأوسع في المنطقة، متهمًا إسرائيل بالسعي إلى إضعاف الروابط بين تركيا والجمهوريات التركية في آسيا الوسطى، وإقامة ترتيبات إقليمية تستبعد تركيا من الفضاء التركي المشترك. غير أن هذه الاتهامات تمثل تقديرات الكاتب وتحليله السياسي، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع مثبتة ما لم تدعمها أدلة مستقلة.
وقال الكاتب إن العلاقات التركية الأذربيجانية تواجه، بحسب تقديره، مستوى غير مسبوق من التوتر، محذرًا من أن استمرار الأزمة دون تدخل سياسي هادئ قد يؤدي إلى انقسام عميق ستكون له تداعيات سلبية على البلدين. ورأى أن معالجة الخلافات عبر التشاور المباشر، ولا سيما من خلال لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأذربيجاني إلهام علييف، يمكن أن تسهم في تبديد التوتر واستعادة الثقة.
لكنه شدد على أن الأزمة، من وجهة نظره، تتجاوز الخلافات الثنائية وسوء الفهم المتبادل، إذ قد تمتد آثارها إلى الروابط الجغرافية والسياسية التي تجمع تركيا بآسيا الوسطى، وهو ما يجعل احتواءها ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خطوة لتهدئة العلاقات الدبلوماسية.
تحالف مكة في صلب قراءة الكاتب للتوتر
وربط قره غول بداية الأزمة بتوقيع اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة، معتبرًا أن هذا الترتيب الأمني الجديد أسهم في تحريك التوازنات الإقليمية، وأن انعكاساته امتدت، بحسب قراءته، إلى القوقاز وآسيا الوسطى.
وفي هذا الإطار، يرى الكاتب أن أنقرة تحركت لدعم السعودية انطلاقًا من اعتبارات التضامن الإقليمي والأمن المشترك، وأنه لا يجد مبررًا لاتخاذ أذربيجان موقفًا سلبيًا من التقارب التركي السعودي الباكستاني. كما رفض تفسير الاتفاق باعتباره موجهًا بالضرورة ضد إيران، مشيرًا إلى ما وصفه باستعداد طهران للانضمام إليه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في ضوء التطورات الرسمية اللاحقة؛ إذ أعلنت الرئاسة التركية في 7 أغسطس/آب 2026 توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين الدول الثلاث، بهدف تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي، وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا.
كما أكدت وزارة الخارجية التركية، في بيان صدر عقب اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية للاتفاق في إسطنبول في 31 أغسطس/آب، التزام الدول الثلاث بتعزيز التعاون الأمني والعمل على خفض التصعيد والتوصل إلى حلول سلمية للأزمات.
وتوضح هذه البيانات الأهداف المعلنة للتحالف، لكنها لا تثبت وجود صلة سببية بين تأسيسه والتوتر التركي الأذربيجاني، ولا تؤكد الاتهامات التي يوجهها الكاتب إلى أطراف إقليمية بشأن السعي إلى إحداث شرخ بين أنقرة وباكو.
«تطويق من الشرق» ومخاوف من استبعاد تركيا من العالم التركي
ويطرح قره غول فرضية رئيسية في مقاله، مفادها أن التوتر الحالي قد يكون جزءًا من مسعى أوسع لمحاصرة تركيا جيوسياسيًا، بحيث لا يقتصر الضغط عليها، وفق تصوره، على الجبهتين الجنوبية والغربية، بل يمتد إلى الشرق عبر إضعاف علاقاتها بالجمهوريات التركية في آسيا الوسطى.
ويقول الكاتب إن القضية، من وجهة نظره، لا تتعلق بإيران أو روسيا بقدر ما تتعلق بموقع تركيا في الترتيبات الإقليمية، محذرًا مما يسميه مشروع «عالم تركي من دون تركيا». ويعزو هذا التصور إلى مخطط إسرائيلي، معتبرًا أن إضعاف الروابط بين أنقرة وباكو قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل العلاقات في القوقاز وآسيا الوسطى بما يقلص الدور التركي.
ويذهب قره غول إلى أبعد من ذلك، إذ يربط بين الأزمة الراهنة والتنافس التركي الإسرائيلي، معتبرًا أن الخلاف بين البلدين ذو طبيعة جيوسياسية تتصل بتعارض المصالح والتصورات المتعلقة بمستقبل المنطقة، وليس مجرد خلاف أيديولوجي أو نتيجة للتوترات المرتبطة بإيران وحدها.
وفي هذا السياق، يستحضر الكاتب الحروب والأزمات التي شهدتها أفغانستان والعراق واليمن والسودان وسوريا وليبيا ولبنان وفلسطين ومنطقة الخليج والبحر الأحمر، ويضعها ضمن ما يصفه بمسار لتفكيك الدول وإعادة تشكيل خرائط المنطقة. كما يحذر من انتقال تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط إلى القوقاز وآسيا الوسطى.
غير أن هذه القراءة تظل طرحًا سياسيًا للكاتب، ولا تقدم المادة المنشورة أدلة مستقلة كافية لإثبات وجود خطة إسرائيلية موحدة تستهدف فصل تركيا عن الجمهوريات التركية أو ربط التوتر مع أذربيجان بهذه الخطة تحديدًا.
العلاقات التركية الأذربيجانية تتجاوز الخلافات الظرفية
ويستند الكاتب في دفاعه عن متانة العلاقة بين أنقرة وباكو إلى الروابط التاريخية والثقافية واللغوية، فضلًا عن المصالح الاستراتيجية المشتركة، مؤكدًا أن تركيا تنظر إلى العالم التركي باعتباره مجالًا للانتماء والتضامن، وليس مجرد مساحة لتحقيق أهداف جيوسياسية.
وقال قره غول إن الروابط بين تركيا والجمهوريات التركية تمثل، في نظره، امتدادًا تاريخيًا وحضاريًا لا ينبغي التفريط فيه بسبب خلافات مرحلية أو حسابات سياسية ضيقة. وحذر من أن إضعاف هذه الروابط لن يقتصر أثره على العلاقات الثنائية، بل قد ينعكس على قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها المشتركة والتعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية.
وفي المقابل، أقر الكاتب بحق أذربيجان في اتخاذ قراراتها المستقلة، مؤكدًا أن أنقرة لا ينبغي أن تتعامل مع خيارات باكو باعتبارها قرارات قابلة للإملاء أو الوصاية. لكنه دعا القيادة الأذربيجانية، في الوقت نفسه، إلى تقدير التداعيات المحتملة لخياراتها على علاقاتها بتركيا وبقية دول العالم التركي.
ويكتسب هذا الجانب من المقال أهمية في ضوء طبيعة منظمة الدول التركية، التي تضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان أعضاءً، وتعمل على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والنقل والطاقة والثقافة بين أعضائها. وتؤكد المنظمة في وثائقها الرسمية احترام سيادة الدول والمساواة بينها وسلامة أراضيها، كما تشير إلى أن هدفها تعزيز التعاون الإقليمي وليس تبني نهج إقصائي تجاه الدول الأخرى.
وتعكس هذه المبادئ أن مستقبل التعاون بين الدول التركية لا يعتمد على الروابط التاريخية وحدها، بل أيضًا على احترام استقلال القرار الوطني، وتطوير آليات عملية لتنسيق المصالح وتسوية الخلافات.
قمة أنقرة اختبار لاحتواء الأزمة
ويولي قره غول أهمية خاصة للقمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية، التي تستضيفها أنقرة يومي 29 و30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، معتبرًا أنها قد تشكل فرصة أساسية لتجاوز الخلافات وإعادة التأكيد على المصالح المشتركة بين تركيا وأذربيجان وبقية دول المنظمة. وقد أعلنت دائرة الاتصال بالرئاسة التركية رسميًا موعد القمة ومكان انعقادها في أنقرة.
وتنبع أهمية هذا الاستحقاق من الدور الذي تؤديه المنظمة في تعزيز التعاون متعدد الأطراف، لا سيما في مجالات النقل والطاقة والتجارة. فالتعاون في هذه القطاعات يتيح للدول الأعضاء تطوير روابط اقتصادية ولوجستية تمتد عبر بحر قزوين والقوقاز والأناضول، بما يعزز الترابط بين آسيا الوسطى والأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، تشير الوثائق الرسمية للمنظمة إلى أن التعاون في مجال الطاقة يمثل أحد محاور عملها الأساسية، مع وجود آليات تنسيق بين الدول الأعضاء تشمل النفط والغاز والبتروكيماويات والطاقة المتجددة والتقنيات الجديدة.
ومن ثم، فإن أي توتر سياسي بين أنقرة وباكو قد يثير مخاوف بشأن انعكاساته على هذه المشاريع، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة تعطلها أو انهيار مسارات التعاون القائمة.
ويشير تطور دبلوماسي حديث إلى استمرار التواصل بين البلدين رغم التوترات التي يناقشها المقال؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية أن وزير الخارجية جيهون بيراموف التقى نظيره التركي هاكان فيدان في 15 أكتوبر/تشرين الأول، وبحث الجانبان الوضع الراهن للعلاقات الثنائية والتطورات الأخيرة فيها.
ويعكس هذا اللقاء وجود قناة رسمية للحوار يمكن البناء عليها لمعالجة الخلافات، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مدى التوصل إلى تسوية أو تحديد طبيعة التباينات القائمة بين الطرفين.
الحجاب واتهامات بمحاولات تأجيج الخلاف
وفي جانب آخر من مقاله، يتناول قره غول قضية حظر الحجاب في أذربيجان، معتبرًا أن إثارة هذه المسألة بالتزامن مع التوتر بين البلدين قد تؤدي إلى استفزاز الرأي العام التركي، ولا سيما الأوساط المحافظة التي يصفها بأنها شديدة الحساسية تجاه هذا الملف.
ويرى الكاتب أن توظيف القضايا الدينية والاجتماعية في لحظات التوتر السياسي قد يسهم في تعميق الانقسامات بين المجتمعات، ويذهب إلى أن إثارة ملف الحجاب جاءت، بحسب تقديره، ضمن محاولة متعمدة لدفع العلاقات التركية الأذربيجانية نحو مزيد من التباعد.
كما يربط هذه الفرضية بتجارب سابقة داخل تركيا، مستحضرًا مرحلة 28 فبراير/شباط 1997، التي ارتبطت بتدخلات المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وبقيود طالت ارتداء الحجاب في مؤسسات التعليم والقطاع العام، إلى جانب الإشارة إلى محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016.
وفي السياق نفسه، يتحدث قره غول عن احتمال وجود مساعٍ لإقصاء أردوغان من المشهد السياسي، ويصف ما يسميه مشروع «تركيا من دون أردوغان» بأنه جزء من الحسابات التي يرى أنها تستهدف إضعاف الدور التركي إقليميًا.
لكن هذه الطروحات، بما فيها اتهام إسرائيل بالوقوف وراء إثارة ملف الحجاب أو العمل على تغيير المشهد السياسي التركي، لم يقدم المقال أدلة مستقلة تثبتها. ولذلك ينبغي عرضها بوصفها اتهامات وتقديرات للكاتب، لا حقائق مؤكدة.
تحذير من تكرار سيناريوهات الشرق الأوسط في القوقاز
ويحذر قره غول من أن استمرار التوترات قد يفتح الباب أمام انقسامات أوسع في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، معتبرًا أن انتقال أنماط الصراع والتنافس التي شهدها الشرق الأوسط إلى هذه المنطقة سيهدد استقرارها ويقوض فرص التعاون بين دولها.
ويستحضر الكاتب الحرب في أوكرانيا بوصفها مثالًا على المخاطر التي قد تواجهها الدول الواقعة بين قوى إقليمية ودولية متنافسة، محذرًا من أن تصبح أذربيجان ساحة لصراعات بالوكالة أو محورًا في ترتيبات أمنية تزيد من حدة الاستقطاب.
ويؤكد أن موقع أذربيجان الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة، باعتبارها حلقة وصل بين الأناضول وبحر قزوين وآسيا الوسطى، لكنه يشدد على أن هذه الأهمية ينبغي أن تتحول إلى عامل لتعزيز الترابط الإقليمي، لا إلى وسيلة لتعطيل الاتصال بين تركيا والجمهوريات التركية الأخرى.
ويحذر الكاتب كذلك من أن إضعاف التعاون بين أنقرة وباكو قد ينعكس على مشروعات الربط التجاري والنقل والطاقة، بما فيها ممرات النقل التي تربط آسيا الوسطى بالقوقاز وتركيا. وتؤكد وثائق التعاون الثلاثي بين تركيا وأذربيجان وأوزبكستان أهمية تطوير البنية التحتية للنقل، وتعزيز كفاءة الممر الأوسط، وتسهيل التجارة والعبور بين الدول المعنية.
دعوة إلى مراجعة الأخطاء ومنع التصعيد
وفي ختام مقاله، يدعو قره غول القيادة التركية إلى التعامل مع مخاوف أذربيجان بجدية، ومعالجة أي أخطاء في إدارة العلاقات الثنائية، مؤكدًا ضرورة احترام استقلال القرار الأذربيجاني وعدم السماح لأي خلافات ظرفية بتقويض الروابط الاستراتيجية بين البلدين.
كما يشدد على أن مسؤولية الحفاظ على العلاقات لا تقع على طرف واحد، بل تتطلب من الجانبين تجنب التصريحات والإجراءات التي قد تؤدي إلى تصعيد إضافي، وتغليب الحوار السياسي على ردود الفعل العاطفية أو حملات الضغط الإعلامي.
ويرى الكاتب أن هدوء الموقف التركي، الذي يشير إليه في مقاله، ينبغي ألا يُفسر باعتباره ضعفًا، بل باعتباره محاولة لتقليل الأضرار ومنح المجال للحلول الدبلوماسية. ويحذر في الوقت نفسه من أن استمرار الخلاف قد يؤدي إلى خطوات متبادلة تجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.
ويختم قره غول بالتعبير عن أمله في أن يتمكن أردوغان وعلييف من إنهاء ما وصفه بـ«حالة الجنون»، وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، مؤكدًا إيمانه بإمكانية تجاوز الأزمة.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>