وفي السياق، قال الخبير في إدارة الأزمات سعد الغديوي في حديث خاص لوكالة "سبوتنيك": "قضية الهجرة غير النظامية ليست جديدة بل تمثل ملفًا قديمًا ظل حاضرًا في العلاقة بين ليبيا وأوروبا منذ سنوات"، موضحًا أنه "يفضل استخدام مصطلح الهجرة غير النظامية بدلاً من الهجرة غير الشرعية لأن الهجرة في حد ذاتها حق مشروع لكن الإشكال يكمن في غياب التنظيم القانوني لها".
وأضاف: "ملف المهاجرين استُخدم منذ عهد النظام السابق كورقة ضغط سياسية في التعامل مع أوروبا أكثر من كونه قضية اجتماعية أو إنسانية"، مشيرًا إلى أن "ليبيا كانت تتحمل الجزء الأكبر من أعباء مكافحة الهجرة في حين لم تلتزم الدول الأوروبية ولا سيما إيطاليا بتنفيذ ما نصّت عليه الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين".
وأوضح الغديوي أن "الاتفاقيات الموقعة بين ليبيا وإيطاليا تبدو متوازنة على الورق وتمنح حقوقًا للطرفين، إلا أن التطبيق العملي كان مختلفًا إذ تُركت ليبيا تتحمل مسؤوليات الإنفاق والرقابة والردع بينما اكتفت الدول الأوروبية بالتصريحات السياسية دون تنفيذ التزاماتها الفعلية".
وشكك في صحة تصريحات المفوضية الأوروبية بشأن انخفاض أعداد المهاجرين المنطلقين من ليبيا، إذ أكد أنه "لم يطّلع على أي تقارير موثقة أو بيانات إحصائية توضح نسب الانخفاض أو مصادرها أو المنهجية التي استندت إليها".
كما تساءل عن "آلية جمع هذه البيانات في ظل محدودية وجود المؤسسات الأوروبية داخل ليبيا وفي دول المصدر الأفريقية"، معتبرًا أن مثل هذه الأرقام "تحتاج إلى معلومات دقيقة تشمل جنسيات المهاجرين ومسارات انتقالهم ووجهاتهم ووسائل نقلهم".
ورأى الغديوي أن "الحديث عن انخفاض أعداد المهاجرين يندرج في إطار تهدئة الرأي العام الأوروبي أكثر من كونه يعكس واقعًا ميدانيًا"، مشيرًا إلى أن "ما حدث مؤخرًا داخل ليبيا من حملات أمنية ربما دفع بعض المهاجرين إلى الاختفاء مؤقتًا أو تغيير مسارات تحركهم لكنه لم يؤدِّ إلى تراجع فعلي في أعدادهم".
وأوضح أن "ليبيا لا تزال تمثل دولة عبور رئيسية للمهاجرين، إذ أن هناك فئة تصل وهي تمتلك الأموال اللازمة لمواصلة رحلتها سريعًا نحو أوروبا بينما تضطر فئة أخرى إلى البقاء والعمل داخل ليبيا لفترة من الزمن من أجل توفير تكاليف العبور في حين تستقر فئة ثالثة مؤقتًا بعد فشل محاولاتها للوصول إلى أوروبا".
وفي ما يتعلق بسوق العمل، أشار الغديوي إلى "ضرورة التمييز بين العمالة الماهرة والعمالة غير الماهرة"، موضحًا أن "العمالة الماهرة تضيف قيمة للاقتصاد من خلال تقديم خدمات ومهن متخصصة بينما يرى أن الجزء الأكبر من العمالة غير الماهرة يمثل عبئًا اقتصاديًا على الدولة إذا لم يكن منتجًا".
من جانبه، قال المحلل السياسي محمد امطيريد في حديث خاص لـ"سبوتنيك": "أبرز الأسباب وراء تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من السواحل الليبية خلال الفترة الأخيرة، هو تشديد إجراءات المراقبة البحرية والحدودية سواء من الجانب الليبي أو في إطار التعاون القائم مع الاتحاد الأوروبي إلى جانب ارتفاع تكلفة رحلات الهجرة غير النظامية وتزايد المخاطر المرتبطة بها".
ولفت إلى أن "تقارير المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى انخفاض تدفقات الهجرة عبر الحدود الليبية خلال الربع الأول من عام 2026 نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي الموسمي وارتفاع تكاليف النقل، فضلًا عن تعزيز الإجراءات الأمنية على عدد من المنافذ الحدودية".
وفي ما يتعلق بما إذا كانت ليبيا أصبحت دولة عبور أم دولة استقرار مؤقت للمهاجرين، أكد امطيريد أن "الواقع يشير إلى أنها تؤدي الوظيفتين معًا فليبيا لا تزال تمثل نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين نحو أوروبا عبر البحر المتوسط إذ تؤكد تقارير أوروبية أن غالبية المهاجرين الذين يسلكون مسار وسط المتوسط ينطلقون من الأراضي الليبية".

24 ديسمبر 2025, 19:51 GMT
وأضاف: "في المقابل تستضيف ليبيا أعدادًا كبيرة من المهاجرين الذين يقيمون فيها لفترات طويلة نسبيًا سواء بحثًا عن فرص عمل أو انتظارًا لفرصة العبور إلى أوروبا، وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 936 ألف مهاجر داخل ليبيا خلال عام 2026، وهو ما يعكس تحول البلاد إلى منطقة استقرار مؤقت لكثير من المهاجرين وليس مجرد محطة عبور سريعة كما كان الحال في السابق".
وأشار امطيريد إلى أن "انخفاض أعداد المهاجرين المنطلقين من السواحل الليبية لا يعني انتهاء ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر البلاد، بل يعكس تغيرًا في أنماط الحركة والهجرة، في وقت تظل فيه ليبيا إحدى أهم العقد الجغرافية المؤثرة في ملف الهجرة غير النظامية بين أفريقيا وأوروبا".