ترك برس
تزور الكاتبة والصحفية التركية فائزة غوموشلو أوغلو سوريا، في رحلة تنقل خلالها لمتابعيها مشاهد وانطباعات من العاصمة دمشق وعدد من معالم البلاد، في وقت تشهد فيه سوريا تزايدًا في زيارات القادمين من تركيا منذ سقوط نظام بشار الأسد وبدء مرحلة سياسية جديدة في البلاد.
وخلال جولتها في دمشق، شاركت غوموشلو أوغلو مشاهد من المدينة القديمة ومنازلها الدمشقية، معربة عن إعجابها بالطابع المعماري التقليدي الذي تتميز به البيوت الدمشقية، فيما تواصل التجول بين مختلف المواقع ونقل تفاصيل رحلتها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتحمل الزيارة بعدًا خاصًا بالنسبة للصحفية التركية؛ إذ ارتبط اسمها بالملف السوري منذ سنوات طويلة، قبل أن تتمكن من زيارة دمشق في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
من هي فائزة غوموشلو أوغلو؟
غوموشلو أوغلو صحفية وكاتبة تركية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط والخليج. تخرجت في كلية الاقتصاد بجامعة إسطنبول عام 2009، وعملت منذ عام 2011 ممثلة لوكالة الأناضول ومراسلة لها في منطقة الخليج والدوحة، كما عملت في الصحافة والبحث المتخصص في قضايا الشرق الأوسط.
وعاشت سنوات في قطر، وأجرت مقابلات أسبوعية لصالح صحيفة The Peninsula، كما أمضت فترة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن كباحثة مساعدة، قبل عودتها إلى تركيا عام 2017. وحصلت لاحقًا على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي الدولي من جامعة مرمرة، وتركز كتاباتها بصورة خاصة على الخليج والقضايا الإقليمية.
لكن سوريا احتلت مساحة مبكرة في مسيرتها الصحفية.
«أن تكون معارضًا في سوريا»
في عام 2013، أصدرت غوموشلو أوغلو كتابها «Suriye'de Muhalif Olmak» – أن تكون معارضًا في سوريا، وهو عمل تناول تجارب وشهادات معارضين سوريين وسيرهم الشخصية، وربط قصصهم بتاريخ سوريا السياسي الحديث وحكم حزب البعث ومرحلة حافظ وبشار الأسد.
صدر الكتاب في ذروة الحرب السورية، واعتمد على مقابلات مع شخصيات سورية عاشت تجربة المعارضة والسجون والمنفى، ليقدم للقارئ التركي صورة عن جذور الصراع السوري تتجاوز مشاهد الحرب اليومية.
وكانت غوموشلو أوغلو قد تحدثت بعد صدور الكتاب عن زياراتها ومشاهداتها المتعلقة بالحرب السورية، وقالت في مقابلة صحفية عام 2013 إنها واجهت خلال عملها مشاهد الدمار واللاجئين والأطفال الذين فرضت عليهم الحرب ظروفًا قاسية.
وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عاد الكتاب نفسه إلى دائرة الاهتمام في تركيا؛ إذ شهد تجددًا في الطلب عليه، بالتزامن مع عودة النقاش حول تاريخ الثورة السورية والمعارضة ومسار الأحداث التي انتهت بسقوط النظام.
دمشق بعد سقوط النظام
وتأتي زيارة غوموشلو أوغلو ضمن مشهد أوسع بدأ يتشكل منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما انهار نظام بشار الأسد ودخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة.
ومنذ ذلك الحين، عادت دمشق ومدن سورية أخرى لاستقبال أعداد متزايدة من الوفود والزوار القادمين من تركيا، بعدما كانت زيارة مناطق سيطرة النظام السابق محدودة أو شديدة الحساسية لسنوات طويلة.
ولم تقتصر الحركة الجديدة على الصحفيين والناشطين؛ بل شملت مسؤولين ورجال أعمال وأكاديميين ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات تركية كانت زيارتها لسوريا قبل سقوط النظام صعبة أو غير ممكنة.
وشهد عامَا 2025 و2026 زيارات متلاحقة لمسؤولين أتراك إلى دمشق، من بينهم وزراء ومسؤولون حكوميون ووفود اقتصادية وتعليمية، بالتوازي مع إعادة تنشيط العلاقات الرسمية بين البلدين.
اهتمام تركي متزايد بسوريا
ويتزامن ذلك مع ازدياد الاهتمام التركي بسوريا على المستوى الشعبي أيضًا، خصوصًا بالعاصمة دمشق ومعالمها التاريخية والدينية.
فالمدن السورية، وعلى رأسها دمشق وحلب، ترتبط بتركيا بروابط جغرافية وتاريخية وثقافية طويلة، بينما تضم دمشق عددًا من المواقع التي تحظى بمكانة خاصة لدى الزوار الأتراك، مثل الجامع الأموي وضريح صلاح الدين الأيوبي وضريح محيي الدين ابن عربي والتكية السليمانية.
وقد ظهرت هذه المواقع بصورة واضحة في برامج زيارات المسؤولين الأتراك أنفسهم إلى العاصمة السورية؛ فخلال زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق في سبتمبر/أيلول 2026، شملت جولته الجامع الأموي وضريح صلاح الدين الأيوبي ومقام محيي الدين ابن عربي والتكية السليمانية وعددًا من المواقع التاريخية الأخرى.
وبذلك أصبحت سوريا بعد سقوط النظام مقصدًا لشرائح متعددة من الأتراك؛ فمنهم من يزورها للعمل أو التجارة، ومنهم الصحفيون والباحثون الراغبون في الاطلاع على التحولات التي شهدتها البلاد، إضافة إلى زوار يهتمون بالتاريخ والتراث السوري.
الحدود والعلاقات تعود إلى الحركة
وساعدت التحولات السياسية كذلك على إعادة فتح قنوات اقتصادية وتجارية كانت مقيدة خلال سنوات النظام السابق.
ففي فبراير/شباط 2025 أعلنت وزارة التجارة التركية إلغاء عدد من القيود التي كانت مفروضة على التجارة مع سوريا، وقالت إن مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بدأت عقب أحداث 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وبحلول أغسطس/آب 2025، قالت الوزارة إن صادرات تركيا إلى سوريا ارتفعت بأكثر من 54% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما شاركت عشرات الشركات التركية في معرض دمشق الدولي وزيارات الوفود الاقتصادية إلى العاصمة.
واستمر هذا التوجه خلال 2026، إذ شارك وزير التجارة التركي عمر بولات ووفود من رجال الأعمال الأتراك في معرض دمشق الدولي، وبحث الجانبان زيادة التجارة والاستثمارات وتسهيل العبور بين البلدين والمشاركة في إعادة الإعمار.
سوريا التي كتبت عنها قبل أكثر من عقد
لهذا تبدو رحلة غوموشلو أوغلو مختلفة عن زيارة سياحية عادية.
فالصحفية التي كتبت قبل أكثر من عقد عن السوريين المعارضين للنظام، وعن بلد كان يعيش بدايات واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا في المنطقة، تزور اليوم دمشق بعد سقوط ذلك النظام، وتتجول بين بيوتها القديمة وأسواقها ومعالمها التاريخية.
وبين كتابها الصادر عام 2013 وزيارتها الحالية، تغير المشهد السوري بصورة جذرية؛ لكن اهتمامها بسوريا بقي حاضرًا، لتتحول الزيارة هذه المرة إلى فرصة لنقل صورة الحياة اليومية والمعالم السورية إلى جمهور تركي بات يتابع تطورات الجارة الجنوبية من منظور مختلف عما كان عليه خلال سنوات الحرب.