ويثير القرار تساؤلات بشأن قدرة النفط العراقي على الحفاظ على تنافسيته في أكبر أسواقه، في ظل ارتفاع تكاليف النقل وصعوبات إيصال الشحنات إلى المشترين، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الإيرادات النفطية التي تمثل الركيزة الأساسية لتمويل الموازنة العامة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير النفطي عبد الغني الغضبان أن تحرك "سومو"، يأتي في إطار البحث عن آليات بديلة لتسويق النفط العراقي، في ظل التداعيات الاقتصادية الناجمة عن أزمة مضيق هرمز.
وقال الغضبان، في حديث لـ"سبوتنيك"، إن "شركة سومو تحاول إيجاد الطرق الكفيلة بتصدير النفط العراقي نتيجة الظروف الاقتصادية التي خلقتها أزمة مضيق هرمز"، مشيراً إلى أن العراق يبحث عن وسائل لتجنب الركود الاقتصادي الذي انعكس بصورة مباشرة على المواطنين، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً.
وأضاف أن "تسويق النفط عبر شركات قادرة على إيصال الشحنات إلى الأسواق الآسيوية قد يمثل خياراً إيجابياً، خصوصاً إذا أمكن إتمام عمليات البيع ضمن الجغرافيا العراقية أو في المياه الإقليمية العراقية، بما يقلل المخاطر المرتبطة بمرور الناقلات عبر مضيق هرمز".
وأكد الغضبان أن النفط العراقي يمتلك مقومات المنافسة في الأسواق العالمية، عازياً ذلك إلى أسعاره وجودته، وهو ما قد يجذب المشترين في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية والصين وبقية الأسواق الآسيوية.
وفي ما يتعلق بتأثير تخفيض الأسعار على الموازنة العامة، أوضح أن تراجع أسعار النفط أو انخفاض كميات التصدير ينعكس سلباً على الإيرادات الحكومية، لكنه أشار إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي على إدارة عمليات التصدير والإيرادات المتأتية منها، معرباً عن أمله في تجاوز التداعيات الاقتصادية الراهنة.
وتشير تقديرات رسمية وغير رسمية إلى أن النفط يشكّل أكثر من 90% من إجمالي الصادرات العراقية، كما يمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة والإنفاق الحكومي والمشاريع التنموية، ما يجعل الاقتصاد العراقي شديد التأثر بالتقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
مسارات التصدير وأعباء الاعتماد على هرمز
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي أحمد الفيلي أن اللجوء إلى بيع النفط بأسعار مخفّضة يعكس جانباً من التحديات التي تواجه العراق نتيجة محدودية خيارات تصدير الخام واعتماده الكبير على مسار واحد.
وقال الفيلي، في حديث لـ"سبوتنيك": "إن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنجح في توفير مسارات بديلة وفاعلة لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب، سواء باتجاه بانياس في سوريا أو العقبة في الأردن، ما أبقى الصادرات معتمدة بدرجة كبيرة على مضيق هرمز".
وأضاف أن "العراق لم يعمل كذلك على إنشاء أسطول بحري وطني لنقل النفط، الأمر الذي زاد من صعوبة التعامل مع اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن".
وأوضح أن "سومو"، والحكومة اتجهتا إلى خفض أسعار النفط بهدف جذب المشترين في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف النقل الناجم عن أزمة مضيق هرمز، معتبرا أن هذه التطورات تمثل مشكلة اقتصادية حقيقية انعكست على الأوضاع الداخلية.
وأشار الفيلي إلى أن العراق لم يتمكن من الاستفادة بصورة كافية من ارتفاع أسعار النفط العالمية خلال حرب الأيام الاثني عشر، بسبب محدودية قدرته على تصدير كميات إضافية عبر مسارات بديلة.
وشدد على أن الاعتماد على منفذ واحد لتصدير النفط يعرّض الاقتصاد العراقي لخسائر كبيرة عند تعطل حركة الملاحة، مؤكداً أن الإيرادات النفطية المتاحة تواجه ضغوطاً في ظل الالتزامات المالية للموازنة العامة، وهو ما ينعكس على قدرة الحكومة على تمويل المشاريع المستقبلية.
ولفت إلى أن اعتماد العراق على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، من دون تطوير موارد اقتصادية بديلة، يزيد من هشاشة الاقتصاد أمام الأزمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية.
وخلص الفيلي إلى أن تخفيض أسعار النفط قد يمثل حلاً مرحلياً لتسهيل عمليات البيع والتصدير، لكنه لا يغني عن وضع خطط استراتيجية لتنويع منافذ التصدير وإنشاء أسطول بحري ناقل، بما يتيح للعراق إيصال نفطه إلى الأسواق العالمية بشروط تجارية أفضل ويحد من الاضطرار إلى تقديم تخفيضات سعرية.
وشهدت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز اضطرابات حادة وصلت إلى حد شبه الشلل منذ اندلاع الحرب أواخر شباط/فبراير الماضي، فيما كان العراق من بين أوائل الدول المنتجة للنفط في المنطقة التي اتجهت إلى خفض الإنتاج، بعد تسارع امتلاء السعات التخزينية الفائضة نتيجة تعثر تصدير الخام عبر الخليج وتزايد الاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
ويُعد العراق من الدول المؤسسة لمنظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، وتعود بدايات صناعة النفط فيه إلى عشرينيات القرن الماضي، إذ بدأ الإنتاج من حقل بابا كركر في كركوك عام 1927، قبل أن تتوسع الصناعة النفطية إلى حقول ومناطق أخرى، وصولاً إلى تأميم القطاع النفطي عام 1972.
وفي ظل استمرار التحديات التي تواجه حركة التصدير، تبدو قدرة العراق على الحفاظ على حصته السوقية وتأمين إيراداته مرهونة بمدى نجاحه في إيجاد خيارات أكثر مرونة لتسويق النفط ونقله، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية تقلل الاعتماد على مورد واحد، وتحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الموازنة العامة ومستوى معيشة المواطنين.